أبي منصور الماتريدي
301
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ : جائز أن يكون أريد بالثياب نفسه ، وتجعل الثياب كناية عنها ؛ كما ذكر أن العرب كانت تقول إذا كان الرجل ينكث بالعهد « 1 » ، وليس بذي وفاء : إنه لدنس الثياب ؛ وإذا كان له وفاء قالوا : إنه لطاهر الثياب . فإن كان الخطاب متوجها إلى النفس ، فتأويله - والله أعلم - : أن طهر خلقك ، وأفعالك ، وأقوالك عما تذم عليه . وجائز أن يكون أريد بها الثياب ؛ فيكون قوله : وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ متوجها إلى التطهير من النجاسات « 2 » ، وإلى التطهير من الأدناس . فأما التطهير من الأنجاس ، فقد امتحنا جميعا نحن ورسول الله صلّى اللّه عليه وسلم [ به ] . وأما التطهير من الأدناس ، فجائز أن يؤمر به النبي صلّى اللّه عليه وسلم خاصة ؛ لأنه كان مأمورا بتبليغ الرسالة إلى الخلق ؛ فندب إلى تطهير ثيابه من الدنس ؛ لئلا يستقذر ، بل ينظر إليه بعين التبجيل والعظمة ، وليس هذا على تطهير الثياب خاصة ؛ بل أمر أن يطهر جميع ما يقع « 3 » له به التمتع من المأكل والمشرب والملبس وغيرها ، والله أعلم . وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال : أي : لا يلبس الثوب على فخر ولا غدر « 4 » . قيل : وكان الرجل إذا كان غادرا في الجاهلية يقال : إنه دنس الثياب « 5 » . وقال الحسن : خلقك فحسّنه « 6 » . وقال بعضهم : أي : قصر ثيابك ولا تطولها ؛ فتقع أطرافها على الأرض ؛ فتصيبها النجاسات ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ : فالرجز : اسم للمأثم ، واسم لما يعذب عليه ؛ فيكون منصرفا إلى ما تتأذى به النفس وتتألم به كالسبة في أنها اسم لما يتأذى به ولما تتألم عليه النفس ؛ فقال الله تعالى : لَهُمْ
--> ( 1 ) في أ : العهد . ( 2 ) في أ : النجاسة . ( 3 ) زاد في ب : عليه . ( 4 ) أخرجه ابن جرير ( 35315 ، 35316 ) وسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن الأنباري في الوقف والابتداء ، وابن مردويه من طريق عكرمة عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 451 ) . ( 5 ) قاله سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي شيبة وابن المنذر عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 451 ) . ( 6 ) أخرجه ابن المنذر عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 452 ) .